أحمد بن علي القلقشندي

71

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وأمير المؤمنين يرى أنّ أولى الأقوال أن يكون سدادا ، وأحرى الأفعال أن يكون رشادا ، ما وجد له في السابق من حكم اللَّه أصول وقواعد ، وفي النّص من كتابه آيات وشواهد ، وكان مفضيا بالأمة إلى قوام من دين ودنيا ، ووفاق في آخرة وأولى ، فذلك هو البناء الذي يثبت ويعلو ، والغرس الذي ينبت ويزكو ، والسّعي الذي تنجح مباديه وهواديه ، وتبهج عواقبه وتواليه ، وتستنير سبله لسالكيها ، وتوردهم موارد السعود في مقاصدهم فيها ، غير ضالَّين ولا عادلين ، ولا منحرفين ولا زائلين . وقد جعل اللَّه عزّ وجلّ من هذه الأفلاك الدائرة ، والنّجوم السائرة ، فيما تتقلَّب عليه من اتّصال وافتراق ، ويتعاقب عليها من اختلاف واتّفاق ، منافع تظهر في كرور الشّهور والأعوام ، ومرور اللَّيالي والأيّام ، وتناوب الضّياء والظلام ، واعتدال المساكن والأوطان ، وتغاير الفصول والأزمان ، ونشء النّبات والحيوان ؛ فما في نظام ذلك خلل ، ولا في صنعة صانعه زلل ، بل هو منوط بعضه ببعض ، ومحوط من كلّ ثلمة ونقض ؛ قال اللَّه سبحانه : * ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والْقَمَرَ نُوراً وقَدَّرَه مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ ما خَلَقَ الله ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ) * ( 1 ) ، وقال جلّ من قائل : * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وأَنَّ الله بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * ( 2 ) وقال : * ( والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) * ( 3 ) ، وقال عزّت قدرته : * ( والْقَمَرَ قَدَّرْناه مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) * ( 4 ) ففضّل اللَّه تعالى في هذه الآيات بين الشمس والقمر ، وأنبأنا في الباهر من حكمه ، والمعجز من كلمه ، أنّ لكلّ منهما طريقا سخّر فيها وطبيعة جبل عليها ، وأن كلّ تلك المباينة والمخالفة في المسير ، تؤدّي إلى موافقة وملازمة في

--> ( 1 ) يونس / 5 . ( 2 ) لقمان / 29 . ( 3 ) يس / 38 . ( 4 ) يس / 39 .